منتديات وشبكات كهلان

اهلا بزائرنا الكريم
منتديات وشبكات كهلان

~~ معنا نحو سماء من الإبداع والتميز ~~


    الاثار النفسية للحوادث المرور

    شاطر
    avatar
    كهلان
    مدير المنتدى
    مدير المنتدى

    عدد المساهمات : 30
    تاريخ التسجيل : 20/10/2010
    العمر : 22
    الموقع : سلطنة عمان الحبيبه

    الاثار النفسية للحوادث المرور

    مُساهمة  كهلان في الخميس نوفمبر 18, 2010 9:54 pm




    بسم الله الرحمن الرحيم




    الآثار النفسية للحوادث المرورية



    بحث مقدم لمؤتمر

    التعليم والسلامة المرورية

    المنعقد في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
    20-22/11/1427هـ
    بالتعاون مع:

    مكتب التربية العربي لدول الخليج
    والمنظمة العربية للسلامة المرورية


    د. حمود بن هزاع الشريف
    أستاذ علم النفس الاجتماعي المساعد
    قسم علم النفس
    جامعة الملك سعود
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الآثار النفسية للحوادث المرورية
    مقدمة:
    تمثل الحوادث المرورية معضلة عصرية حيث تقضي على أرواح الكثيرين وينتج عنها الكثير من العاهات وتتسبب في تلفيات هائلة للممتلكات العامة والخاصة. ولا يعد من المبالغة القول بأن ضحايا حوادث الطرق تفوق ضحايا الحروب والعمليات الإرهابية.
    وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث السيارات، كما أشار لذلك مرسي الباحث بالمعهد العالي للخدمات الاجتماعية، يربو على 300 ألف شخص سنويا، كما يتراوح عدد المصابين بين 10-15 مليون. وتشير الإحصاءات إلى أن عدد المصابين في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يفوق الثلاثة ملايين ونصف سنويا (Butler et al., 1999). ومن المحزن أن 10% من بين هؤلاء المصابين هم من الأطفال، وقد ترتفع نسبة الأطفال الذين يتعرضون لإصابات ناجمة عن حوادث مرورية في بعض الدول لتصل إلى أكثر من 20% كما تشير إلى ذلك نشرة المعهد المروري الأردني. وتشير بعض النشرات إلى أن ما يربو على 300.000 طفل يتعرضون لإصابات ناجمة عن حوادث الطرق في الولايات المتحدة وحدها (Hauschildt, 2002). ومما ينبغي تذكره في هذا الصدد أن ضحايا الحوادث المرورية في دول العالم النامي أكثر بكثير مقارنة بالدول المتقدمة كما تشير إلى ذلك نشرة منظمة الصحة العالمية، (Gender & Health, 2002). وتبذل جميع الحكومات جهودا مضنية للحد من الحوادث والحد، بالتالي، من آثارها السلبية.
    لكن المؤسف أن الآثار السلبية لحوادث السيارات ترتبط في أذهان الكثيرين بالخسائر المادية والآلام والإعاقات الجسدية فقط. أما الآثار النفسية، ربما بسبب من خفائها على الملاحظة الحسية المباشرة، فلا يُلْتّفَتَ إليها، ويتجاهلها الكثير حتى ممن لهم صلة من الباحثين في العالم الثالث. إن من المنطقي أن تلقى الإصابات الجسدية وبعض الأعراض النفسية الناجمة مباشرة عن الحادث الصادم أولوية في الرعاية، ولكن البحوث العلمية تؤكد أن بعض من يتعرضون لحوادث الطرق أو يشهدونها يمكن أن تظهر لديهم لاحقا اضطرابات نفسية قد تتطور لتصبح أعراضا حادة (Butler et al., 1999).
    إن المصابين في الحوادث المرورية يتلقون نوعا من المساندة الاجتماعية من مصادرها الطبيعية كالأقرباء والأصدقاء، وهذا ما قد يخفف من الآثار السلبية للحوادث المرورية، ولكن يحسن بنا تذكر عدة أمور؛ أولها، أنه ليس كل من يتعرض لتلك الحوادث يتلقى الدرجة المناسبة من المساندة، وثانيها، أن الأشخاص العاديين قد يجهلون نوع المساندة الاجتماعية المناسبة أو المرغوبة من قبل المصاب. والأمر الثالث، وهو الأهم، هو أن الاختصاصيين المحترفين لديهم المعرفة اللازمة لرصد المؤشرات أو الأعراض التي قد تخفى على الأشخاص العاديين أو يخفى عليهم تفسيرها، خاصة في ظل ما يتوفر من معرفة من إن الكثير من الأعراض الناجمة عن الحوادث المرورية لا تظهر بعد الحادث مباشرة.
    والذي يحسن التذكير به هو أن ’الجروح النفسية‘ التي تصيب الذين يتعرضون للحوادث المرورية قد تلازمهم زمنا طويلا جدا حتى بعد أن تشفى الجروح الجسدية وتُتّنّاسى آلام الخسائر المادية. ولعل ذلك هو السبب في عدم استعادة بعض الرياضيين لمستويات الأداء التي كانوا عليها قبل تعرضهم لإصابة ما. إن الجروح النفسية لا تقل ضرار عن الجروح الجسدية إن لم تكن آثارها أكثر فداحة. ومما يلفت النظر أن شركات التأمين في الدول المتقدمة تدفع تعويضات مجزية عن آثار الجروح النفسية الناجمة عن حوادث السيارات.
    والحوادث المرورية تنتج، جزئيا، من مخالفات يرتكبها فرد، ويتأذى بها فرد آخر أو مجموعة من أفراد المجتمع. ولعل مما يزيد الوعي بفداحة أخطار الحوادث المرورية ويحفز الجهود للتخفيف من ويلاتها هو أن نبحث في آثارها النفسية. وسيركز البحث الذي بين أيدينا في البداية على مبحثين نفسيين رئيسين متعلقين بالآثار السلبية للحوادث المرورية. المبحث الأول في أثر الحوادث المرورية على اختلال شعور الفرد بالأمن النفسي، والمبحث الثاني يحاول تلمس أثر الحوادث المرورية كنوع من أحداث الحياة الضاغطة على صحة الإنسان النفسية والعضوية، وبعض أساليب العلاج النفسي المتبعة للتخفيف من الآثار النفسية السلبية لحوادث الطرق.
    الحوادث المرورية واختلال الشعور بالأمن النفسي:
    تنجم الحوادث المرورية، جزئيا على الأقل، من مخالفة بعض قادة المركبات للأنظمة المرورية. ويمثل الشعور بالنظام والانتظام في أحداث البيئة حاجة إنسانية أساس. فالنظام يعني، ببساطة، عدم عشوائية الأحداث، وبالتالي، إمكانية التنبؤ بها. وشعور الفرد بانتظام أحداث بيئته يعطيه شعورا بالتحكم يمكنه من التعامل بفعالية معها. إن الإنسان لا يستطيع أن يحيا سعيدا فاعلا في بيئة ليس بإمكانه التنبؤ بسلوكيات مفرداتها (العنزي، 2000؛ Myers, 1996).
    ومن المنطقي افتراض ارتباط إيجابي بين الزيادة في عدد المخالفات المرورية والزيادة في عدد الحوادث. كما أن من المعقول عزو خفاء تلك العلاقة إما لطريقة جمع البيانات أو لعدم الانتظام في جمعها نظرا لعدم إدراك الأهمية القصوى لرصد الظواهر كميا. وسواء تصاحبت الزيادة في المخالفات المر ورية بالزيادة في عدد الحوادث المرورية أو لم تتصاحب، فإن هذا لا يغير من جوهر القضية شيئا. إن كثرة المخالفات والحوادث المرورية تزيد من التوترات النفسية الناجمة عن عدم إحساس الفرد بانتظام الأحداث في بيئته، وهذا ما قد يترتب عليه ظهور الكثير من المشكلات النفسية.
    ولا يقتصر تأثير الحوادث المرورية على زيادة التوترات التي يشعر بها الفرد، حيث أن الزيادة في التوتر عموما تؤدي إلى تشتيت انتباه الفرد وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الحوادث المرورية. وهكذا يستمر تأثير هذه الدائرة من الأحداث المتبادلة التأثير، ما يؤدي إلى تناقص شعور الفرد بالأمن النفسي مع الزيادة في عدد المخالفات والحوادث المرورية.
    إن اتباع أفراد المجتمع للأنظمة، سواء كانت إلهية المصدر أو من صنع الإنسان، يشعر الإنسان بقدر من الأمن النفسي يمكنه من العيش في بيئته فاعلا متفاعلا شاعرا بالسعادة. وذلك ناجم، جزئيا على الأقل، من شعور الفرد بانتظام الأحداث في بيئته بحيث يكون قادرا على توقعها. كما يوفر اتباع الأنظمة على الإنسان ذلك الجهد الذي يبذله في توخي الحذر كلما كان هناك تفلت من اتباع الأنظمة. وكلما زاد التزام أفراد المجتمع بالأنظمة توفر للإنسان جهد يمكن استثماره، وزاد شعوره بالسعادة، وهذا بدوره ينعكس إيجابيا أيضا على انتاجيته.
    إن تأثير ضعف قدرة الفرد على التنبؤ بأحداث بيئته لا تقتصر على زيادة توتره الذي ينعكس سلبا على انتاجيته وسعادته وقدرته على التفاعل مع بيئته بل قد يتعداه إلى شعور الفرد بأن قدراته العقلية لا تساعده على فهم ما يدور حوله في بيئته من أحداث. وإذا بلغ الفرد درجة التشكك في قدرته على فهم ما يدور حوله زاد توتره، وزاد شعوره بأن بيئته بيئة عدائية غير مطمئنة. وهذا قد يدفعه إلى الانكفاء على ذاته، والابتعاد عن التفاعل مع الآخرين لأن التواصل في مثل هذه الظروف سيكون جهدا مكلفا من الناحية النفسية.
    إن من المعقول تصور أن انخفاض وتيرة التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين، خاصة في المدن الكبيرة، يمكن عزوه، جزئيا على الأقل، إلى محاولة حماية الذات من التوترات الناجمة من شعور الفرد بالخوف من الحوادث المرورية. وهذا الخوف يزداد كلما قلت قدرة المرء على التنبؤ بسلوك قادة المركبات الأخرى الناجم عن قلة اتباع الأنظمة المرورية. وكلما زادت المخالفات والحوادث المرورية زادت مشاعر القلق والتوتر تلك.
    الحوادث المرورية من أحداث الحياة الضاغطة وتأثير ذلك على الصحة النفسية:
    يصنف علماء النفس الحوادث المرورية من بين أحداث الحياة الضاغطة. وقد بذلوا جهودا كبيرة لتتبع الآثار المترتبة على تلك الأحداث على صحة المرء النفسية والعقلية والعضوية. ومن المنطقي أن يتباين تأثير الحوادث المرورية مع درجة الضرر الناجمة من تلك الحوادث. ولكن مهما كان الأثر الناجم عن أحداث الحياة الضاغطة محدودا إلا أن له آثارا على الصحة النفسية والعقلية والعضوية للفرد الإنساني. ويمكن تفهم ذلك بالنظر إلى الآثار الإيجابية لأحداث الحياة السارة مهما كانت ضئيلة كالابتسامة. فكما أن لتلك الأحداث الإيجابية البسيطة أثر إيجابي على الحياة النفسية والعقلية والعضوية للفرد، فكذلك تكون الآثار السلبية لأحداث الحياة الضاغطة ضارة مهما كانت بسيطة. وتزداد تلك الآثار بزيادة تكرار تلك الإحداث حتى ولو كانت بسيطة.
    إن الكثير من المشكلات النفسية يمكن أن تنجم عن التعرض لخبرات صادمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة كالتعرض للحوادث المرورية أو مشاهدتها. كما أن من تعرضوا لإعاقات ناجمة عن تعرضهم لحوادث مرورية يمكن أن يعانوا من صعوبات جمة في سبيل تكيفهم مع أسلوب حياتهم الجديد، وقد تتغير شخصياتهم وربما تتصاعد مشاعر التوتر لديهم ويصبحون أكثر قلقا واكتئابا ويميلون إلى العزلة والانسحاب.
    ويرى الباحثون أن من المناسب أن نشرح للمصابين وعائلاتهم أن تلك المشاعر ردود أفعال طبيعية، وأنها قد تتلاشى مع الوقت، لكن إذا استمرت لفترة زمنية تجاوزت الشهر أو كانت حدتها مقلقة بدرجة ملحوظة فمن المهم عند ذلك إحالة المصاب للخدمات النفسية لعلاجه من اضطراب ما بعد الصدمة.
    واضطراب ما بعد الصدمة Post Traumatic Stress Disorder (PTSD) من الأبعاد النفسية ذات الصلة بالحوادث المرورية التي أولاها علماء النفس اهتماما كبيرا. ويعرف الدليل التشخيصي الإحصائي الرابع للاضطرابات العقلية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-IV)، اضطراب ما بعد الصدمة على أنه متلازمة مكونة من ثلاث مجموعات من المؤشرات والأعراض: الشعور بالصدمة بصورة متكررة (تذكر لا إرادي للأحداث، كوابيس)، خدر انفعالي (يجد المصاب صعوبة في الشعور بانفعالات إيجابية)، وتجنب الأنشطة والمثيرات المتصلة بالصدمة، واستثارة حادة (ردود أفعال رعب مبالغ فيها، أرق). كما يتطلب تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة أن أن تكون هذه الأعراض ظاهرة يمكن ملاحظتها بعد شهر على الأقل من التعرض للصدمة وأن تؤدي إلى تعطيل أو إعاقة فاعلية المصاب أو تتسبب له في درجة جوهرية من الضيق.
    والأحداث الصادمة تنتج عن تهديد حقيقي أو مدرك لحياة الشخص أو الآخرين كما تنتج عن إصابته هو أو غيره بجروح خطيرة أو تعرض كيانه الفيزيقي أو النفسي هو أو الآخرين لتهديد. والاستجابة النموذجية لمثل هذه المشاعر والمدركات هي الخوف العميق والشعور بالعجز إزاء تلك الأحداث وربما ظهور استجابات رعب حقيقي.
    ويتمثل هذا الإضطراب المنهك في أفكار مسيطرة مرتبطة بالحادث الصادم مثل الارتجاعات، flashbacks، حيث يجد الأفراد الذين تعرضوا للحادث الصادم أنفسهم يسترجعون سيناريو الحادث ويعاودون التفكير فيه ويعيشونه مرة أخرى. وتعد الكوابيس والأحلام المزعجة nightmares التي تؤثر على قدرة المصاب على النوم من الأعراض الناجمة عن الأحداث الصادمة. كما يمكن أن يعاني المصابون في الحوادث المرورية من ذكريات معيقة وقلق شديد. كما أن من الأعراض التي تميز اضطراب ما بعد الصدمة تجنب المصابين للحديث عن خبرتهم، وتفادي رؤية أو سماع ما قد يذكرهم بتلك الخبرة المؤلمة. وقد يجد المصابون أنفسهم يحاولون النهرب من الآخرين وربما يؤدي إلى انعزالهم وشعورهم بالوحدة النفسية. كما يميل الأشخاص الذين يتعرضون لخبرات صادمة إلى أن يعانوا من الاكتئاب. وباختصار، فإن الخبرات الصادمة التي يتعرض لها الكثيرون قد تؤدي بهم للشعور بأنهم غير قادرين على أن يعيشوا حياة طبيعية. أن تلك الأعراض، وغيرها، قد لا تبدأ بالظهور إلا بعد أشهر من الحادث الصادم (Hauschildt, 2002). ويمكن أن يمتد تأثير هذه الأعراض إلى حياة الفرد الاجتماعية إذ قد يصبح متعبا شديد الحساسية، ويمكن أن تتأثر حياته الأكاديمية والوظيفية إذا تأثرت قدرته على التركيز. (للاطلاع على تفاصيل أدق بخصوص الأعراض التشخيصية لاضطراب ما بعد الصدمة، والفوارق بين الراشدين والأطفال في تلك الأعراض، أنظر Butler et al., 1999).
    وتقدر المؤسسات الوطنية للصحة العقلية أن أكثر من خمسة ملايين أمريكي ممن يقعون بين 18-54 من العمر يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (Blanchard & Hickling, 2003)، ومن المتوقع أن ذلك العدد قد إزداد كثيرا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر إذ أصبح الأمريكيون يشعرون بأنهم مستهدفين بدرجة أكبر من ذي قبل. وفي هذا الصدد تشير دراسة استخدمت أسلوب تحليل السلاسل الزمنية إلى أن الحوادث المرورية الجسيمة تزداد بعد ما يسمى بالهجمات الإرهابية (Stecklov & Goldstein, 2004).
    ويشير أحد الكتب أن حوادث السيارات هي السبب الأول في حدوث اضطرابات ما بعد الصدمة لدى عامة الناس، (Blanchard & Hickling, 2003)، حيث يتعرض أكثر من ثلاثة ملايين شخص سنويا لإصابات ناجمة عن حوادث الطرق. ويقدر الباحثان أن ما نسبته 10-45% من بين من يتعرضون لإصابات، تظهر لديهم لاحقا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. ويؤكد الباحثان على أن احتمال ظهور أعراض اضطراب ما بعد الصدمة عند النساء (10.4%) أكثر من الضعف مقارنة بالرجال (5%). كما وجد الباحثان أن الخوف من الموت نتيجة الحادث المروري ودرجة حدة الإصابة تزيدان، بين عوامل أخرى، من احتمال إصابة الضحية باضطراب ما بعد الصدمة، وأن نسبة كبيرة من الناجين من حوادث السيارات الذين ظهرت لديهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة أكثر احتمالا لأن يكونوا قد تعرضوا لحوادث مرورية أو خبرات صادمة مقارنة بالعينة التي لم تتعرض لمثل تلك الحوادث. كما وجد الباحثان أن عينة الناجين من حوادث السيارات يعانون من الاكتئاب أكثر من العينة الضابطة، وأن 53% ممن يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة يعانون اكتئابا حادا. وبينما كان ما يقارب 10% من الناجين من حوادث الطرق ممن ظهرت لديهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة مكتئبين عند وقوع الحادث إلا أن ما نسبته 43.5 من تلك العينة ظهرت لديهم أعراض الاكتئاب الحاد بعد وقوع الحادث. ويخلص الباحثان إلى أن الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب، تجعل ضحايا حوادث الطرق أكثر استعدادا لأن تظهر لديهم اضطرابات ما بعد الصدمة.
    وتشير دراسة أجريت على 212 طفلا وقعوا ضحية حوادث طرق بمدى عمري 5-17 عاما إلى أن 88% من الأطفال و 83% من الوالدين ظهر لديهم عرض واحد على الأقل من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأن 90% من عائلات أطفال وقعوا ضحية حوادث طرق تمت دراستها أثر عليهم اضطراب ما بعد الصدمة، (Hauschildt, 2002).
    ومما يؤدي إلى زيادة تفاقم مشكلة اضطراب ما بعد الصدمة في ظل الظروف التي تزداد فيها حوادث الطرق والمخالفات المرورية ما بينته دراسات عدة من أن هناك علاقة إيجابية بين مستوى التعرض للخبرات الصادمة ومستوى اضطراب ما بعد الصدمة Vostanis, 2004; Caffo et al., 2005)، علما أن تلك الدراسات تشير إلى أن الحاجة لا تزال ماسة لدراسات أخرى أكثر إحكاما من حيث التصميم التجريبي، وتأخذ في اعتبارها تنوع المتغيرات التي قد تسهم في تفاقم تلك المشكلة والعوامل التي قد تحد من آثارها السلبية كالدعم الاجتماعي والفوارق الثقافية.
    وفي إحدى الدراسات قارن الباحثون (Stallard et al., 1998) بين فئتين من الأطفال بعد مرور ستة أسابيع على حادثة صادمة؛ فئة تعرضوا لحوادث سيارات وأخرى تعرضوا لإصابات في المنافسات الرياضية. وقد وجد الباحثون أن ثلث أطفال الفئة الأولى تنطبق عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة مقارنة مقارنة بما نسبته 3% فقط من أفراد الفئة الثانية. ولم يجد الباحثون علاقة بين نوع الإصابة ولا درجة شدتها من جهة، ووجود أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، من جهة أخرى. وعلى الرغم من أن الفتيات على ما يبدو أكثر احتمالا لأن يتأثروا بالصدمات. لكن ليس من المستبعد أن يكون بعض الأطفال عرضة أكثر من غيرهم للإصابة بالاضطراب.
    وخلاصة القول هو أن من الضروري الالتفات للاضطرابات النفسية الناجمة عن التعرض لحوادث الطرق، خاصة في المجتمعات النامية التي لا تزال تعاني من ندرة البحوث في الآثار النفسية الناجمة عن حوادث الطرق.
    أهم الطرق العلاجية للتخفيف من الآثار النفسية للحوادث المرورية:
    من المسلم به أن الاضطرابات النفسية تركيبات معقدة، ومما ينبني منطقيا على هذا التصور القول بوجود حاجة لتطوير استراتيجيات علاجية متنوعة. فليس من الضروري أن تنجح استراتيجية معينة في معالجة كل الاضطرابات النفسية بدرجة تفوق غيرها من الاستراتيجيات العلاجية الأخرى. كما أن الفروق الفردية عامل آخر يحتم على المعالجين اختيار الاستراتيجية العلاجية التي تناسب الحالة النفسية بصفة عامة وحالة المسترشد، بصفة خاصة. وليس الهدف هنا استقصاء تلك الطرق وإنما الإشارة فقط لبعض تلك الاستراتيجيات والطرق العلاجية التي أثبتت الدراسات نجاحها في التغلب على المشكلات النفسية الناجمة عن التعرض للحوادث المرورية.
    والعلاج الذهني السلوكي Cognitive Behavioral Therapy (CPT) من الأساليب العلاجية التي ثبت نجاحها في التغلب على الصعوبات الناجمة عن الخبرات الصادمة (Blanchard & Hickling, 2003; Shalev, 2006). والعلاج الذهني السلوكي عبارة عن مظلة ينضوي تحت لؤائها أكثر من طريقة علاجية مثل العلاج العقلاني الانفعالي Rational Emotive Behavioral Therapy (REBT)، وعلاج السلوك العقلاني Rational Behavior Therapy، والعلاج العقلاني الحي Rational Living Therapy، والعلاج الذهني Cognitive Therapy، والعلاج الجدلي السلوكي Dialectic Behavior therapy.
    والعلاج الذهني السلوكي نمط نفس-اجتماعي من العلاج مبني على التفاعل النشط بين المسترشد والمعالج. كما أنه مبني على مسلمة مفادها أن السلوك والانفعالات غير التكيفية نتاج لأفكار غير تكيفية. وتركز هذه الطريقة على تعديل أفكار الفرد ليتم تعديل سلوكه وانفعالاته. فذا النمط من العلاج النفسي يؤكد على أهمية فيما نفعل ونشعر به، فما يدور في ذهن الفرد يحدد نمط الاستجابة الصادرة عنه.
    كما أن العلاج بالتعرّض Exposure Therapy، من الطرق التي لها فعالية في التغلب على الآثار النفسية للحوادث المرورية. والعلاج بالتعرض هو ما كان يعرف بالعلاج بالغمر الصوري Imaginal Flooding Therapy، والذي يتمثل في تعريض المسترشد بحذر لصور متكررة متخيلة من مكونات الخبرة الصادمة حتى لا تعود تلك الصور تسبب قلقا حادا للمسترشد (Keane, 2006; Keane & Kaloupek, 1982; Keane et al., 1989).
    أما تقنية إزالة الحساسية Debriefing فهي أشبه ما تكون بالإسعافات النفسية الأولية، وقد تباينت أراء الباحثين إزاءها. فبينما يؤيد استعمالها بعض الباحثين (Ekeberg & Hem, 2001)، يرى آخرون أنه لا يوجد دليل قوي على أنها ذات نفع في التغلب على الصعوبات الناشئة من التعرض لصدمات إن لم تكن لها أثار عكسية (McNally, 2004; McNally et al., 2003). لكن على ما يبدو أن من السابق لأوانه القطع بأن تقنية إزالة الحساسية غير مفيدة (Shalev, 2006). والذي يظهر أن الفترة الزمنية التالية مباشرة للتعرض للحادث الصادم ليست الفترة المثالية للتدخل العلاجي، وقد لا يظهر فيها أثر مميز لهذه الطريقة العلاجية أكثر مما هو نوع من القصور في طريقة إزالة الحساسية، خاصة وأن من المعروف أن هذه الطريقة تتكون من جلسة واحدة.
    وقد ميز شاليف (Shalev, 2006) من بين التقنيات التي تصنف تحت هذا العنوان تقنيتين طُبِّقتا بكثافة أكبر من غيرهما؛ تقنية إزالة حساسية الأحداث الخطيرة لمتشل Mithell’s Critical Incident Stress Debriefing (CISD)، والتقنية النفسية لإزالة الحساسية Psychological Debriefing (PD) لدايرغروف Dyregrov، وهي الأحدث بين تقنيات إزالة الحساسية.
    وتعتمد تقنية إزالة الحساسية على مساعدة المسترشد في استدعاء سيناريو الخبرات الصادمة والعيش فيها في محاولة لتحييد شحنتها الانفعالية حتى تفقد قدرتها على التأثير عليه سلبيا. وتتكون طريقة إزالة الحساسية في العادة من جلسة واحدة قد تتباين في مدتها، يتشارك فيها المشترشدون ويحاولون أن يتعلموا من خبراتهم. ويذكر شاليف (Shalev, 2006) سبع مراحل متعاقبة لهذه الطريقة هي: المقدمة (وفيها يُحَدَّدُ هدف الجلسة وقواعدها، مرحلة الحقائق (وفيها يوصف الحادث الصادم)، ومرحلة التفكير (وفيها يُقَيَّم ذلك الحادث)، مرحلة رد الفعل (وفيها تُسْبّر مشاعر المشاركين في الجلسة حين وقوع الحادث الصادم وبعده)، مرحلة العَرَض (وفيها تُنَاقَشُ الطبيعية الاعتيادية للأعراض)، مرحلة التعلم (وفيها يتم الإعداد للتطورات المستقبلية، وتوضح طرق التعايش مع النتائج الأخرى للحادث الصادم، والمرحلة الأخيرة هي مرحلة العودة أو الانفصال عن الحادث الصادم (وفيها تُقدم مناقشة عامة عن الجلسة وتلخيص عملي لها). وتتبع هذه المراحل سواء كانت الجلسة جماعية أو فردية.
    ويشير بعض الباحثين إلى أهمية التأمل Meditation في التخفيف من الآثار النفسية والفسيولوجية للخبرات الصادمة. والذي يقابل التأمل في ثقافتنا الإسلامية هو الذكر والتفكر، من وجهة نظر الباحث المتواضعة.

    أبعاد نفسية أخرى من المهم أخذها بعين الاعتبار:
    لعل من الضروري عند نهاية هذا البحث المتواضع الإشارة إلى بعض الأبعاد النفسية الأخرى ذات الصلة بموضوعه.
    لعل من المناسب بداية الإشارة إلى أنه على الرغم من تشابه الإحساس بالآلام الجسدية والنفسية للحوادث، إلا أنها مختلفة جدا من حيث إمكانية التحكم فيها، وهذا يقتضي أولا، عدم إغفال تلك الفروق، وثانيا تطوير استراتيجيات مناسبة للتحكم في كلا النوعين من الآلام، وعدم الاقتصار على تناول الآلام الجسدية بالمعالجة وتناسي الآلام النفسية.
    إضافة إلى ماسبق، من الضروري التأكيد على المنهج التكاملي عند بحث المشكلات التي يواجهها الإنسان. إن علماء النفس المحدثين أكثر وعيا اليوم بتأثير جوانب الحياة الإنسانية على بعضها البعض، فهم، على سبيل المثال، لا ينظرون إلى المشكلات على أنها إما نفسية أو عضوية. وفي نفس الإطار الذي يهتم به البحث الحالي وجد الباحثون أن الأفراد الذين يعانون من تواترات ناجمة عن الخبرات الصادمة، ويميلون إلى استرجاع شريط ذكرياتها وتكرار النظر إلى ذواتهم عبر حلقاته أكثر من غيرهم، يميلون أيضا إلى امتلاك جهاز مناعة ضعيف مقارنة بالآخرين. وقد وجد أولئك الباحثون دلائل قوية على أن هرمون الكورتيزول، وهو من بين الهرمونات التي يفرزها الجسم نتيجة لإدراك الفرد نفسه في موقف طوارئ، قد يكون المسؤول عن الآثار السلبية الملاحظة على القدرة الوظيفية لجهاز المناعة عند هذه الفئة من الناس. فاسترجاع ذكريات الخبرات الصادمة التي يمر بها الفرد يعني وجود هرمون الكورتيزول في دم الإنسان بتركيز أعلى من المعدل الطبيعي مدة زمنية أطول.
    ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الحاجة ماسة لتطوير مقاييس لتحديد أنماط شخصية الأفراد الذين يكون من المحتمل تعرضهم للآثار السلبية للحوادث المرورية أكثر من غيرهم، وتحديد الاستراتيجيات العلاجية المتوافقة مع نمط (أو أنماط) شخصياتهم. وفي بعد ذي صلة يشير بتلر وزملاؤه (Butler et al., 1999)، إلى أن التعيين المبكر لهؤلاء الأشخاص عامل حاسم يتيح التدخل العلاجي لمنع الآثار اللاحقة الأكثر إعاقة لحياتهم.
    واتصالا بالنقطة السابقة، يرى الباحث أن من الضروري إعادة النظر في اختبارات ترخيص قيادة المركبات لتشمل اختبارات نفسية مثل اختبارات الذكاء، القدرة على تقدير أو قياس الأبعاد والمسافات، والتفكير المنطقي، والقدرة على تركيز الانتباه لمثيرات متكررة، وبعض الاختبارات الحس-حركية مثل اختبارات سرعة رد الفعل وزمن الرجع.
    كما أن من الضروري الالتفات إلى بعض المتغيرات التي قد تؤثر على تفاقم مشكلة الحوادث المرورية من مثل ما يسميه علماء النفس ’التفاؤل غير الواقعي‘، (العنزي، 2000). ويتمثل التفاؤل غير الواقعي في شعور الفرد بأنه سيكون في المستقبل عرضة لأحداث سلبية أقل، ولأحداث إيجابية أكثر من الآخرين. ولعل النشر المكثف للمعلومات الواقعية عن الحوادث المرورية، ولطرق الوقاية منها، وللإفكار المضللة التي قد توجد لدى بعض الأشخاص عن قدرتهم الفائقة على السيطرة على الأمور في الأحوال الطارئة، والمعلومات المستفادة من بحوث اختبارات السلامة التي تجريها شركات صناعة السيارات، من العوامل التي قد تساعد على تحييد جزئي لأثر التفاؤل غير الواقعي.
    ودرجة التفاؤل غير الواقعي تكون أعلى لدي صغار السن من المراهقين والأحداث، كما تميز مستعملي المخدرات، وتمثل مظهرا من مظاهر الاضطراب النفسي أحيانا. ولعل هذا يفسر، جزئيا على الأقل، كثرة تعرض صغار السن وتورطهم في الحوادث المرورية مقارنة بكبار السن.
    أخيرا، يود الباحث أن يشير إلى أهمية التسريع بإدراج مادة السلامة المرورية في مناهج الدراسة وجدية الأخذ بها للتخفيف من ويلات الحوادث المرورية وآثارها المدمرة ماديا ونفسيا خاصة في ظل توفر الدلائل على نجاح بعض التجارب في هذا الصدد، (انظر دراسة العوفي).

    المراجع:
    العنزي، فلاح، (2003)، علم النفس الاجتماعي، مطابع التقنية، الرياض، السعودية.
    العوفي، رشدان حميد (2006)، أثر تدريس وحدة مقترحة للسلامة المرورية في إكساب طلاب الصف الأول الثانوي بعض مفاهيم ومهارات السلامة المرورية وفي اتجاهاتهم نحو السلامة المرورية. رسالة ماجستير غير مطبوعة، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، السعودية. (انظر مجلة المعرفة: 140، ديسمبر، 2006).
    مرسي، محمد مرسي محمد، الحوادث المرورية وأثرها على الأطفال. الشبكة العنكبوتية.
    نشرة المعهد المروري الأردني. الشبكة العنكبوتية.
    Blanchard, E. B., and Hickling, E. J., (2003) After The Crash: Assessment and Treatment of Motor Vehicle Accident Survivors, 2nd edition, The American Psychological Association (APA) Publications.
    Butler, D. J. and H. Moffic, H. S. Turkal, N. W. (1999). Post-traumatic Stress Reactions Following Motor Vehicle Accidents. American Family Physician, 60(2). 524-531.
    Caffo, E; Forresi, B.; Lievers, L. S. (2005). Impact, psychological sequelae and management of trauma affecting children and adolescents. Current Opinion in Psychiatry. 18(4), Jul, 422-428.
    Ekeberg, Ø. and Hem E. (2001) Psychological debriefing - does it never work? The British Journal of Psychiatry, 178, 182-183.
    Gender & Health, (2002). Gender and Road Traffic Injuries, World Health Organization, Department of Gender & Women Health.
    Hauschildt, E. (2002), Acute Stress Disorder Seen In Children, Parents After Traffic Injury. Pediatrics Electronic Pages.
    Keane, T. M. (2006). Exposure Therapy Helps PTSD Victims Overcome Trauma's Debilitating Effects.
    www.psychologymatters.org/keane.html retrieved on Dec. 2, APA ONLINE.
    Keane, T. M. & Kaloupek, D. G. (1982), Imaginal flooding in the treatment of a posttraumatic stress disorder. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 50, 138-140.
    Keane, T. M., Fairbank, J. A., Caddell, J. M., & Zimering, R. T. (1989), Implosive (flooding) therapy reduces symptoms in of PTSD in Vietnam combat veterans. Behavioral Therapy, 20, 245-260.
    McNally, R.J. (2004), Psychological Debriefing Does Not Prevent Posttraumatic Stress Disorder. Vol. XXI, Issue 4
    McNally, R. J.; Bryant, R. A. and Ehlers, Anke (2003). Does early psychological intervention promote recovery from posttraumatic stress? Psychological Science in the Public Interest, 4(2), 45-79.
    Myers, D. G. (1996), Social Psychology. 5th edition, McGraw Hill: N.Y., New York.
    Shalev, A. Y. (2006), Treating survivors in the acute aftermath of traumatic events. Retrieved on Dec. 5, 2006 www.traumacenter.org
    Stecklov, G. and Goldstein, J. R. (2004). Terror attacks influence driving behavior in Israel. PNAS News Archive, September 20–24.
    Stallard, P., Velleman, R., and Baldwin, S. (1998). Prospective study of post-traumatic stress disorder in children involved in road traffic accidents. British Medical Journal, December 12; 317(7173): 1619–1623.
    Vostanis, P. (2004) The impact, psychological sequelae and management of trauma affecting children. Current Opinion in Psychiatry. 17(4), Jul, 269-273.
    Walsh, R. (1993), State of the Art: An Overview of Research on Meditation. NOETIC SCIENCES REVIEW # 25, PAGE 36 SPRING.
    avatar
    ~~ عكس قانونه ~~
    عضو ممتاز
    عضو ممتاز

    عدد المساهمات : 39
    تاريخ التسجيل : 20/10/2010
    الموقع : جامعة السلطان قابوس

    رد: الاثار النفسية للحوادث المرور

    مُساهمة  ~~ عكس قانونه ~~ في الجمعة نوفمبر 26, 2010 11:29 pm

    شكرا كهلان ع الموضوع

    أتمنى الفائدة للجميع

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 23, 2017 1:30 am